ابن قتيبة الدينوري

80

عيون الأخبار

أيّامك والكون في ظلّ جناحك ، في غاية من تخصّه وتعمّه نعمك ، وتجول به الحال حيث جالت بك . فالحمد للَّه الذي جعل العاقبة لك ، ولم يردد علينا آمالنا منكوسة فيك ، كما ردّها على غيرنا في غيرك . وهنيئا هنأك اللَّه نعمه خاصّها وعامّها ، وأوزعك شكرها ، وأوجب لك بالشكر أحسن المزيد فيها . وكتب رجل من الكتّاب إلى نصرانيّ قد أسلم يهنئه : الحمد للَّه الذي أرشد أمرك ، وخصّ بالتوفيق عزمك ، وأوضح فضيلة عقلك ، ورجاحة رأيك ؛ فما كانت الآداب التي حويتها ، والمعرفة التي أوتيتها ؛ لتدوم بك على غواية وديانة شائنة ( 1 ) لا تليق بلبّك ، ولا يبرح ذوو الحجا من موجبي حقّك ينكرون إبطاءك عن حظَّك وتركك البدار ( 2 ) إلى الدّين القيّم الذي لا يقبل اللَّه غيره ولا يثيب إلا به ، فقال : * ( ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه ) * ( 3 ) ، وقال : * ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ الله الإِسْلامُ ) * ( 4 ) . والحمد للَّه الذي جعلك في سابق علمه ممن هداه لدينه ، وجعله من أهل ولايته ، وشرّفه بولاء خليفته . وهنأك اللَّه نعمته ، وأعانك على شكره ؛ فقد أصبحت لنا أخا ندين بمودّته وموالاته بعد التأثّم من خلطتك ( 5 ) ومخالفة الحقّ بمشايعتك ؛ فإنّ اللَّه عزّ وجلّ يقول : * ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ الله ورَسُولَه ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) * ( 6 ) . وكتب رجل من الكتّاب تهنئة بحجّ : الحمد للَّه على تمام مهاجرك ، وسلامة بدأتك ورجعتك ، وإعظامه المنّة بأوبتك ؛ وشكر اللَّه سعيك ،

--> ( 1 ) الشائنة : العمل الذي يلحق بصاحبه العيب . ( 2 ) البدار : المسارعة . ( 3 ) سورة آل عمران الآية 85 . ( 4 ) سورة آل عمران الآية 19 . ( 5 ) الخلطة : من الاختلاط أي المعاشرة . ( 6 ) سورة المجادلة الآية 22 .